إخوان الصفاء

392

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

الفكري أمر روحاني معقول ، وذلك أن النطق اللفظي إنما هو أصوات مسموعة لها هجاء وهي تظهر من اللسان الذي هو عضو من الجسد ، وتمرّ إلى المسامع من الآذان التي هي أعضاء من أجساد أخر ، وأن النّظر في هذا المنطق والبحث عنه والكلام على كيفيّة تصاريفه وما يدلّ عليه من المعاني ، يسمّى علم المنطق اللّغويّ . وأما النّطق الفكري الذي هو أمر روحاني معقول ، فهو تصوّر النّفس معاني الأشياء في ذاتها ، ورؤيتها لرسوم المحسوسات في جوهرها ، وتمييزها لها في فكرتها ، وبهذا النّطق يحدّ الإنسان ، فيقال إنه حيّ ناطق مائت ، فنطق الإنسان وحياته من قبل النّفس ، وموته من قبل الجسد ، لأن اسم الإنسان إنما هو واقع على النفس والجسد جميعا . واعلم أن النّظر في هذا النّطق والبحث عنه ومعرفة كيفيّة إدراك النفس معاني الموجودات في ذاتها بطريق الحواسّ ، وكيفيّة انقداح المعاني في فكرها من جهة العقل الذي يسمّى الوحي والإلهام ، وعبارتها عنها بألفاظ بأي لغة كانت ، يسمّى علم المنطق الفلسفيّ . ولما كان النّطق اللفظيّ أمرا جسمانيّا ظاهرا جليّا محسوسا ، وضع بين الناس لكيما يعبّر به كلّ إنسان عمّا في نفسه من المعاني لغيره من الناس السّائلين عنه ، والمخاطبين له ، احتجنا إلى أن نذكر من هذا المنطق طرفا شبه المدخل ليقرب على المتعلّمين فهم علم المنطق الفلسفي ، ويسهل تأمّله على الناظرين ، فنقول أيضا إنه لما كان النّطق اللّفظي هو ألفاظ مؤلّفة من الحروف المعجمة ، احتجنا أن نذكر الحروف أولا ، فنقول : إن الحروف ثلاثة أنواع : فكريّة ولفظيّة وخطيّة . فالفكريّة هي صورة روحانيّة في أفكار النّفوس مصوّرة في جواهرها قبل إخراجها معانيها بالألفاظ ؛ والحروف اللّفظيّة هي أصوات محمولة في الهواء ، فمدركة بطريق الأذنين بالقوّة السامعة ، كما بيّنّا في رسالة الحاسّ والمحسوس ؛